أحمد بن علي الرفاعي الكبير

16

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

الصالحون أحسن الخلق وجوها : وقيل ليحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : ما بال العارفين أحسن وجوها ، وأكثر هيبة من غيرهم ؟ . فقال : لأنهم خلوا باللّه مستأنسين ، وقربوا إلى اللّه متوجهين ، وفزعوا إليه متوالهين ؛ فكساهم اللّه بنور معرفته ؛ فبه ينطقون ، وله يعملون ، ومنه يطلبون ، وإليه يرغبون ، أولئك خواصّ اللّه السابقون ، سعيهم في طاعة اللّه من غير علاقة ، وينصحون العامة من غير طمع ، مشتاقون منيبون إلى اللّه تعالى ، قلوبهم له وجلة ، نفوسهم وحشية ، وقلوبهم عرشية ، وعقولهم مغشية ، وأرواحهم ياسينية ، كلهم معصوم بقلبه عن فتنة الناس ؛ وذكر اللّه يحميه من شر الوسواس ، صدره مشروح ، وجسمه مطروح ، وقلبه مجروح ، وباب الملكوت له مفتوح . قلبه مثل القنديل ، وجوارحه خاضعة كالمنديل ، لسانه مشغول بتلاوة القرآن ، ولونه مصفرّ من خوف الهجران ، ونفسه ذائبة في خدمة الرحمن ، وقلبه زاهر بنور الإيمان ، نفسه مشغولة بالطلب ، وروحه مشغولة بقرب الربّ ، على لسانه وصف الربوبية ، وعلى أركانه خدمة الديمومية ، وعلى نفسه أثر العبودية ، وفي قلبه هيبة الفردانية ، وفي سره الطرب بالألوهية ، وفي روحه شغف الوحدانية . تعلق العارفين بالحق سبحانه : أفواههم إليه ضاحكة ، وأعينهم نحوه طامحة ، وقلوبهم به متعلقة ، وهمومهم إليه واصلة ، وأسرارهم إليه ناظرة ، رموا ذنوبهم في بحر التوبة ، وطرحوا طاعاتهم في بحر المنّة ، وضمائرهم في بحر العظمة ، ومرادهم في بحر الصفوة ، وهممهم في بحر المحبة . في ميدان خدمته يتقلبون ، وتحت ظلال كرمه يتنفسون ، وفي رياض رحمته يرتعون ، ومن رياحين امتنانه يشمون . ينظرون إلى الدنيا بعين الاعتبار ، وإلى الآخرة بعين الانتظار ، وإلى أنفسهم بعين الاحتقار ، وإلى طاعتهم بعين الاعتذار ، لا الاستكثار ، وإلى الغفران بعين الافتقار ، وإلى المعرفة بعين الاستبشار ، وإلى المعروف سبحانه بعين الافتخار ، يرمون أنفسهم إلى البلوى ، وأرواحهم إلى العقبى ، وقلوبهم إلى النجوى ، وأسرارهم إلى المولى .